ابن الجوزي
136
كشف المشكل من حديث الصحيحين
أنس بن مالك أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال : « اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض » ( 1 ) وعادة الرواة ذكر المعنى الذي يظنون أنه المعنى ، وقد يغلطون في العبارات عنه ، فربما كان حديث عمر مغيرا ممن قد ظن أنه أتى بالمعنى . وعلى لفظ حديث ابن عباس وأنس يسهل الجواب ، ويكون المعنى : إنك قد جعلت الأمور منوطة بالأسباب ، فإذا قطعت هذا السبب فكأنك قد شئت قطع العبادة . ويتضمن هذا شيئين : أحدهما : أنك غني عن العبادة ونحن فقراء إليها . والثاني : أننا نخاف هلاك الصالحين فيبقى أهل الفساد ، فيشمت بنا من قال : * ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) * [ البقرة : 30 ] . وإن نزلنا على الأشد وتكلمنا على لفظ حديث عمر ، فإن القطع على نفي العبادة بعدم هؤلاء محمول على أنه مما اطلع عليه من الغيب ، وكان مما اطلع عليه أن الله تعالى لا يبعث نبيا بعده ، ولا يخلق لحفظ قاعدة دينه ونصرته سوى هؤلاء ، فأخبر عن علم الحق عز وجل لا عن ظن نفسه ، فكأنه يقول : إذا هلك هؤلاء ، الناقلون عني وهم جمهور المؤمنين وخيارهم ولا نبي بعدي بطلت العبادة ؛ لأن العبادة إنما تكون بنشر الشريعة . ويتضمن هذا القول منه نوع غيرة ، تقديرها : أغار ألا تعبد . ولا يجوز أن يظن برسول الله ما هو منزه عنه من الشطح والزلل في القول ، مع شهادة الحق عز وجل له بالعصمة في كلامه بقوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى ) * [ النجم : 3 ] وقال له عبد الله بن عمرو بن العاص : أكتب ما أسمع منك ؟ قال « نعم » قال : في السخط والرضا ؟
--> ( 1 ) الحديث ( 1704 ) .